الشوكاني

103

نيل الأوطار

وأجيب عن الاستدلال بحديث فريعة بأنه مخالف للقياس لأنها قالت : وليس المسكن له ولم يدع نفقة ولا مالا ، فأمرها بالوقوف فيما لا يملكه زوجها ، وملك الغير لا يستحق غيره الوقوف فيه ، فيكون ذلك قضية عين موقوفة . وقد حكي في البحر القول بوجوب نفقة المتوفى عنها عن ابن عمر والهادي والقاسم والناصر والحسن بن صالح ، وعدم الوجوب عن الشافعية والحنفية ومالك والوجوب للحامل لا الحائل عن مولانا علي رضي الله عنه وابن مسعود وأبي هريرة وشريح وابن أبي ليلى . وحكي أيضا القول بوجوب السكنى عن ابن عمر وأم سلمة ومالك والامام يحيى والشافعي ، وعدمه عن مولانا علي رضي الله عنه وعمر وابن مسعود وعثمان وعائشة وأبي حنيفة وأصحابه . وقد أخرج أحمد والنسائي من حديث فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنما النفقة والسكنى للمرأة ، إذا كان لزوجها عليها الرجعة . وفي لفظ آخر : إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة ، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى . وسيأتي هذا الحديث في باب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية ، وهو نص في محل النزاع ، والقرآن والسنة إنما دلا على أنه يجب على المتوفى عنها لزومها لبيتها وذلك تكليف لها . وحديث الفريعة إنما دل على هذا ، فهو واضح في أن السكنى والنفقة ليستا من تكليف الزوج ، ويؤيد هذا أن الذي في القرآن في سورة الطلاق هو إيجاب النفقة لذات الحمل لا غير ، وفي البقرة إيجابها للمطلقات . وقد خرج من عمومهن البائنة بحديث فاطمة بنت قيس إلا أن تكون حاملا لذكر ذلك في حديثها كما سيأتي ، وخرجت أيضا المطلقة قبل الدخول بآية الأحزاب فخرجت المتوفى عنها من ذلك وكذلك لا سكنى لها لان قوله تعالى : * ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) * ( الطلاق : 1 ) وقوله : * ( أسكنوهن من حيث سكنتم ) * ( الطلاق : 6 ) في الرجعيات لظاهر السياق ، كما سيأتي تحقيق ذلك ، إذا تقرر هذا علمت أنه لم يكن في القرآن ما يدل على وجوب النفقة أو السكنى للمتوفى عنها كما علمت أن السنة قاضية بعدم الوجوب . وأما حديث الفريعة وحديث ابن عباس فقد استدل بهما من قال بعدم الوجوب ، كما استدل بهما من قال بالوجوب ، لما فيهما من الاحتمال والمحتمل لا تقوم به الحجة ، وقد أطال صاحب الهدي الكلام في هذه المسألة ، وحرر فيها المذاهب تحريرا نفيسا ، فمن رام الوقوف على تفاصيلها فليراجعه .